نذير حمدان
131
حكمة القرآن والحضارة
وفي مقدمة السّمات التعليمية قيم القرآن وفضائله ، وعوامل التحضير والنهضة ، وعوامل الدمار والخراب ، وعلوم عديدة ذات صلات عميق بالدنيا ومعرفة شاملة بالآخرة . إن بعض هذه المعارف سبقت إليها الكتب السماوية فأصّلت العقائد والعبادات والفضائل وأحيانا التشريعات والتنظيمات المحلية ، بينما استوفى القرآن أصول العلوم وكليّات المسائل الحقّ والخير والجمال والعمل بمنهجه الحكيم وبيانه المعجز . الرسول صلى اللّه عليه وسلم معلما ( المصادر والسمات ) : إن ما تعلمه الرسول من اللّه ثم ما بينه من تشريعاته النبوية ، وما استودعه من خزائن معارفه الشخصية وتجاربه واجتهاداته وبصائر رأيه وحكمته قد علّمه للناس وبلغهم بحكمته ، ولأهمية ( التعليم ) العام والحكمة خاصة فقد كرره القرآن أربع مرات بصراحة الخطاب والغيبة الجماعية . وإذ يشترك الرسول صلى اللّه عليه وسلم مع سائر الأنبياء بحكمة اللّه تعلما ووحيا خاصا بهم تفرّد الرسول بأنه معلمها للناس وفي زمن الأميين من العرب ومحتكري المعرفة من اليهود خاصة . ومهما تكررت ( الحكمة ) بالنسبة للرسول فإن اتفاق العلماء والمفسرين على أنها ( السنة ) وما فيها من الأوامر والنواهي والآداب والتوجيهات ، وعموما : الحلال والحرام ، يؤكد على أهمية تعلمها وتعليمها . وتنطلق سمات التعليم النبوي الحكيم من ثلاثة أسس ( مصادر ) : من حكمة القرآن ، ومن حكمة النبوة ، ومن حكمة الفطرة ، باعتبار أن الحكمة وهبية مكتسبة معا ، وباعتبار المرجعية التي تخص القرآن الحكيم بالمصدر الثابت الذي يستقي الرسول من حكمته تفسيرا وتأكيدا وتأسيسا ، والتعليم هنا لا يقتصر على محو الأمية وزيادة المحصول المعرفي بقدر ما يسعى إلى التعليم البنائي للشخصية المسلمة التي تبدأ من تنبيه الدوافع لحب المعرفة وصقل النفس وتهذيبها ، ومن ثم لإصلاحها وإعدادها للحياة الدنيا والآخرة ، فالمدرسة القرآنية التي أغنت شخصية الرسول بالتصورات والمبادئ والنظم والآداب كان لها أيضا تأثير كبير على شخصيات الجليل الأول ، حتى استطاعت هذه المدرسة المحمدية أن تكمل الرسالة القرآنية في القدرة على تمثل أخلاق القرآن والصياغة الحضارية للقيادة الفذّة التي صبغ بها القرآن رسوله والمسلمين وبأداء الرسالة التعليمية على خير وجه .